ابن رشد

324

تهافت التهافت

المسألة الرابعة ( من الطبيعيات ) المسألة العشرون في إبطال إنكارهم لبعث الأجسام مع التلذذ التام قال ابن رشد : ولما فرغ من هذه المسألة أخذ يزعم أن الفلاسفة ينكرون حشر الأجساد . وهذا شيء ما وجد لواحد ممن تقدم فيه قول . والقول بحشر الأجساد أقل ما له منتشرا في الشرائع ألف سنة . والذين تأدت إلينا عنهم الفلسفة هم دون هذا العدد من السنين . وذلك أن أول من قال بحشر الأجساد هم أنبياء بني إسرائيل الذين أتوا بعد موسى عليه السلام وذلك بيّن من الزبور ومن كثير من الصحف المنسوبة لبني إسرائيل ، وثبت ذلك أيضا في الإنجيل وتواتر القول به عن عيسى عليه السلام وهو قول الصابئة . وهذه الشريعة قال أبو محمد بن حزم : إنها أقدم الشرائع . بل القوم يظهر من أمرهم أنهم أشد الناس تعظيما لها وإيمانا بها . والسبب في ذلك أنهم يرون أنها تنحو نحو تدبير الناس الذي به وجود الإنسان بما هو إنسان ، وبلوغه سعادته الخاصة به . وذلك أنها ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان ، والفضائل النظرية والصنائع العملية وذلك أنهم يرون أن الإنسان لا حياة له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية ولا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية ، وإنه ولا واحد من هذين يتم ولا يبلغ إليه إلا بالفضائل الخلقية ، وأن الفضائل الخلقية لا تتمكن إلا بمعرفة اللّه تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لهم في ملة ملة ، مثل القرابين والصلوات والأدعية وما يشبه ذلك من الأقاويل التي تقال في الثناء على اللّه تعالى وعلى الملائكة والنبيين .